الإنتخابات وإشكاليّة التنظير والتطبيق
_____________________ 

العراقُ انموذجا 
____________ 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله المعصومين

وعجَلَ الله تعالى في فرج إمامنا المهدي في العالمين إنه قوي عزيز

إنَّ  موضوعة  الإنتخاب المنبثقة من النظام الديمقراطي الحديث والتي ساقها الغربُ إلينا عنوةً  

قد أوجدتْ جدلاً في تكييفها الفقهي منذ أكثر من قرن تقريباً

ولم يألو الفقهاء جهداً في موضعتها ضمن منطقة الحوادث وأحكامها

وقد حاولوا إيجاد الملاكات والمُصححات الشرعية للبت فيها وإتخاذها خياراً إراديا 
أو إضطراريا

فمنهم من قبلها بقبول حسن مُدعيّاً أنها تشبه نظام الوكالة المطلقة أو الخاصة بالمعنى الفقهي 

فجعلها عقداً شرعيا بين الناخب والمُرشح لينتج من ذلك تمثيل المُرشح لناخبه 
في المجلس التشريعي(مجلس النواب)

ولكن ما يواجه هذا التنظير الفقهي أنه أشبه بالقياس الفقهي على طريقة فقهاء العامة

 بإعتبار أنَّ الإنتخاب شابه التوكيل في إجرائيته التعاقدية على مبنى العقد الإجتماعي للمفكر جان جاك روسو  فأخذ حكمه

فتجد إشكالية تشبيه الإنتخاب بالتوكيل الفقهي عقداً لاتصمد أمام النقد والنقض وحلّه

كون مُتعلق وموضوع الوكالة هنا غير معلوم هل هو توكيل خاص أم عام ؟

وكون المُوكِل شرعا له الحق في عزل وكيله متى ماء شاء

 وهذا مالا يتحقق في التطبيق الفعلي والإجرائي في صياغة الإنتخابات؟

وأيضا تبطل الوكالة بموت الوكيل(المُرشح) أو بموت (المُوكِل)أي الناخب ؟

وحينها ما المصحح الفقهي لشرعنة بقاء الوكيل في وكالته عن الأصيل المتوفى ؟

ولايقول أحدٌ أن بقاء الوكيل منحفظٌ بفعل إنتخاب الآخرين له ؟

وهذا ما لم يتعرض له في فقه الوكالة ؟

وآنّى للناخب أوالموكّل إذا مات وكيله  من توكيل شخصٍ آخر عنه ؟

هذا إذا ما عيَّن المجلس التشريعي بديلاً عن الوكيل دون الرجوع إلى الموكّل الأصلي ؟

والحال أنّ الوكالة الفقهية هي عقد يتقوم بالإيجاب من طرف المُوكّل

 والقبول من طرف الوكيل؟

وثمة إشكالية رئيسة وخطيرة تظهر في تصرف الوكيل (المُرشح فيما لو فاز) 

بخلاف ما تم العقد عليه أو تصرف خارج المشروع له شرعا بحيث لم يجيزه الموكل في ذلك أو لم يُصرح له ؟

كما حصل ذلك فعلا في واقعنا المعاصر من التصويت على إمتيازات المسؤولين وحقوقهم التقاعدية ؟

أو عدم التصويت على الموازنة العامة للدولة والتي تمثل عصب الحياة الإقتصادية للشعب كله ؟

وثمة إشكالية أخرى أيضا تظهر في كون الوكالة الفقهية هي عقد جائز من الطرفين

(المُوكل والوكيل) 

بمعنى للوكيل حق عزل نفسه  من الوكاله كما يحق للموكل عزله

كأن يستقيل الوكيل من المجلس النيابي وهنا ينفك عقد الوكالة وتنتفي المصلحة للناخب ويفقد القدرة على توكيل غيره ؟

فضلاً عن كون الوكيل أميناً في ما توكل فيه فلو قصّر أو خان أو تعدى فيتحمل تبعات ذلك وهذا منتف في الواقع بالفعل ؟

هذا غيض من فيض في الإشكالية التنظيرية لموضوعة الإنتخابات ؟

وأما ما يمكن تسجيله من نقد على مستوى التطبيق 

وهو أنَّ المُقرر دوليا أن الإنتخاب هو حق للناخب لا تكليف ولا إلزام فيه 

ومعلوم عندنا في منظومتنا الفقهية أنَّ الحق قابلٌ للنقل والإنتقال والإسقاط والتوريث

 وهنا تنشأ الإختراقات والمخالفات كأن يشتري المرشح صوت الناخب أو بطاقته الألكترونية
أو يهبه هبة مشروطة (كالهدية)  بإنتخابه .

وعندها يتدخل المجتهد بالإفتاء بالمنع من ذلك وتحريمه فقهيا بالحكم الثانوي ؟

وأما إذا ما أسقط الناخبون حقهم في الإنتخاب ولم يشاركوا  في صناعة الحدث الإنتظامي 

فسيسهمون  بنسبة كبيرة في الإخلال بمعطيات نظام الإنتخابات ؟


وهذه إشكالية تُسجّل على نظام الإنتخاب في حد ذاته وآثاره تنظيرا وتطبيقا 

 ومن ثم أنَّ نظام الإنتخاب لم يحقق ملاكاته ومحركاته وثمراته التأسيسية في  جانبها الفقهي والأصولي

من كون تبنيه  يدفع المفسدة الكبيرة والخطيرة عن منطقة الفراغ التي تحصل بفعل تركه أوإتباع غيره من الأنظمة.

فتمسكَ بعض الفقهاء ببنيوية دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة في صورة التزاحم الخطير
فيقدم الأهم ملاكا ونتاجا وأثرا على الأهم

ولكن ما حصل هو العكس تماما  من أنَّ المفسدة الخطيرة المتوخى دفعها بتطبيق الإنتخاب

 قد وقعت وزلزلت الأرضَ من تحت أقدام الناخبين ؟

فلم تدفع المفسدة ولم تُجلب المنفعة حتى ؟

والعيان يغني عن البيان فلم يتمكن نظام الإنتخاب أو الوكالة من تأمين حاجات الناخبين حياتيا وآمنيا وحتى حقوقيا

ولم نرَ مؤسسات تتكفل بضمان الحق والعيش الكريم والعادل لكل فرد فرد ؟

إذ عمَّ القتل والإرهاب والفساد المالي والإداري وحتى الأخلاقي في وسط وجغرافية البلد ؟

وتمزق التركيب المجتمعي والديني بنسبة خطيرة ؟

مما ينذر بالكارثة المحتملة الوقوع ؟

بحيث أصبح منطبق قوله تعالى

 (( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )) (53)  المؤمنون

واضحاً وجليا ؟

إذاً فالمطلوب شرعاً وعقلا هو تقويم نظام الإنتخاب وتقنينه مفصلاً بحيث يجلب المنفعة بالفعل بنسبة كبيرة  ويدفع المفسدة النوعية في الواقع .

أو إدخال أسس جديدة فيه كأن يُزاوج بين الدين في تشريعاته ونظام العقلاء في مقرراته التي ممكن إمضائها شرعا 

لكي يتمكن من حفظ نظام الإجتماع والدين والأخلاق والقانون والعرف الصحيح في بلدنا العزيز

إلى أن يأذن الله تعالى بظهور الحجة بن الحسن المهدي إمام العصر والزمان روحي فداه 

فيملأ الأرض قسطا وعدلا مثلما مُلِئت ظلما وجورا ويسد باب الإنتخاب

 ليفتح للناس آفاق الحق والعدل والأمن والنظام والتدين والسلام .

ويبين لهم صبغة الله تعالى في الحكم وتدبيره في الخلق كافة

(( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ))  (138) البقرة

(( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))  (55) النور

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مرتضى علي الحلي : النجف الأشرف 

12/جمادى الأولى /1435 هجري قمري


شاركه على جوجل بلس

عن مرتضى علي الحلي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات: