المهدوية
والأنثروبولوجيا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاربة
معرفية
في
المنهج والأهداف
مرتضى
علي الحلي
مؤسسة
أحباب الصدّيقة الطاهرة(ع)
النجف
الأشرف
1434هـ-
2013م
المهدوية
والأنثروبولوجيــــــــا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التمهيد
المهدويّة أنموذجاً أقوَماً
معصوما
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على
نبينا محمد وآله المعصومين.
قال الله تعالى: {إِنَّ
هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: 9].
إن هذه الآية الشريفة نصّتْ على أنَّ هذا القرآن، الذي أنزله الله تعالى على النبي
الأكرم محمد’، يرشدُ الناسَ إلى أحسن الطرق، وهي ملّة الإسلام عقيدةً وشريعة
ومنهاجاً، ويهدي ويُوصِل المُهتَدي به إلى المطلوب يقيناً، وفي هذا إشعارٌ بأنّ
هداية القرآن الكريم، هي فعلٌ حقيقي خارجي، ووجودي في التحقّق الحياتي، ومتجددةٌ
في أثرها في النوع الإنساني، يُمارسه المعصوم× نبياً كان أم إماماً منصوبا. ولم
تستثنِ الهدايةُ الناسَ وقتاً من دون وقت؛ وبهذا يجب أن تتحقق الهداية للبشرية
قاطبة في نهاية الطريق والمصير. وهذا التحقق الأخير للهداية وجودياً، ستتكفّل به
المهدوية الخاتِمة، بشخص الإمام المهدي×، بوصفها مُنطَبَقاً لمفهوم الأقومية القرآنية.
وهذا المعنى صرّحَ به
القرآن ضمنا، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73]، {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5]، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:
24].
عن الإمام علي بن
الحسين×، قال: >الإمامُ منَّا لا يكون إلاَّ معصوماً، وليستْ العصمة في
ظاهر الخِلقَة فيُعرَفُ بها؛ ولذلك لا يكون إلاَّ منصوصا. فقيل له: يا
ابن رسول الله، فما معنى المعصوم؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو
القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة، والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي
إلى الإمام، وذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].([1])
فهنا مقولتان، وهما: مقولة (الإمام يهدي إلى القرآن)، ومقولة
(القرآن يهدي إلى الإمام)، وهذا التشارك الإثنيني يكشف عن عصمة القرآن
والمعصوم× في آنٍ واحد.
وفي هذه الآية الشريفة بشارة من الله تعالى، بأن مفردات
الحياة البشرية والمجتمع في مستقبل الزمان ، لا بد من أن تصير إلى أفضل وأحسن مما
عليه في الوقت
الحاضر.
وعن علاء بن سيابه، عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق×، في
معنى قول الله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أقوم}، قال×:
>يهدي إلى الإمام<.([2])
إذ الإمام×، هو أصلٌ للهداية، ولجميع الخيرات، وأقوم
مِن كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، فالقرآن يهدي إليه في مواضع عديدة.
فالإمام المهدي× مشمولٌ بعنوان الإمام المنصوب ربانياً، والذي يهدي إليه القرآن
الكريم.
وذكر
العلاّمة الحلي توجيهه، في قوله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أقوم}، وقال: >وجه الاستدلال، أنه تعالى أراد من
المُكلَّفين الطريقةَ التي هي أقوم، وهي الصواب الذي لا يُحتَمَل غيرُه، ولا
يُعلَم ذلك إلاَّ بتوقيف النبي’، أو من يقوم مقامه، وغير المعصوم لا
يحصل منه ذلك، أي: لا يتمكن من أخذ الناس إلى الطريقة، التي هي أقوم وأصوب في
العقيدة والشريعة والمنهج في هذه الحياة. فيجب أن يكون القائم مقام النبي’،
معصوماً وهو المطلوب<.([3])
بمعنى: أن الإمام
المعصوم×، والمنصوب إلهياً هو من يتكفّل بتنجيز الهداية للناس بعد رسول الله’؛ فمقتضى
الحكمة الإلهية، أن يهتدي جميع البشر إلى الطريقة التي هي أقوم واقعا بواسطة
الإمام×.
وهذا ما نعتقده قطعا في التحقق الوجودي لدولة العدل الإلهي،
التي سيشيدها الإمام المهدي× حتميّا في المستقبل، بإذن الله تعالى وتأييده.
وقد ذكر السيد
الطباطبائي أيضا في معنى قوله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أقوم}: >أي للملة التي هي أقوم، كما قال تعالى: {قُلْ
إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، والأقوم أفعل،
تفضيل، والأصل في الباب القيام ضد القعود، الذي هو أحد أحوال الإنسان وأوضاعه، وهو
أعدل حالاته، يتسلط به على ما يريده من العمل بخلاف القعود والاستلقاء والانبطاح
ونحوها. ثم كنّى به -بأفعل التفضيل (أقوم)- عن حسن تصديه -أي: القرآن الكريم-
للأمور إذا قوي عليها من غير عجز وعِي، وأحسن إدارتها للغاية. يُقال: قام بأمر كذا
إذا تولاه، وقام على أمر كذا، أي راقبه وحفظه وراعى حاله بما يناسبه.
وقد وصف
الله سبحانه هذه الملة الحنيفية بالقيام، كما قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وقال : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
الْقَيِّمِ} [الروم: 43].
وذلك لكون هذا الدين
مُهيمناً على ما فيه خير دنياهم وآخرتهم، قيّما على إصلاح حالهم في معاشهم ومعادهم، وليس
إلا لكونه موافقاً لما تقتضيه الفطرة الإنسانية، والخلقة التي سوّاه الله سبحانه
عليها، وجهّزه بحسبها، بما يهديه إلى غايته التي أريدت له، وسعادته التي هيئت
لأجله؛ وعلى هذا فوصف هذه الملة في قوله: {لِلَّتِي هِيَ أقوم}، بأنها
أقوم إنْ كان بقياسها إلى سائر الملل، إنما هو من جهة أنّ كلاً من تلك الملل سنة
حيوية اتخذها أناسٌ؛ لينتفعوا بها في شيء من أمور حياتهم، لكنها إن كانت
تنفعهم في بعضها فهي تضرّهم في بعض آخر، وإن كانت تحرز لهم شطراً مما فيه هواهم، فهي
تُفوّت عليهم شطراً عظيماً مما فيه خيرهم، وإنما ذلك الإسلام يقوم على حياتهم
وبجميع ما يهمهم، في الدنيا والآخرة من غير أن يفوته فائت، فالملة الحنيفية أقوم
من غيرها على حياة الإنسان.
وإن كان
بالقياس إلى سائر الشرائع الإلهية السابقة، كشريعة نوح وموسى وعيسى^ كما هو ظاهر،
جعلها مما يهدي إليها القرآن، قبال ما تقدم من ذكر التوراة، وجعلها هدى لبني
إسرائيل، فإنّما هو من جهة أن هذه الملة الحنيفية، أكمل من الملل السابقة
التي تتضمنها كتب الأنبياء السابقين، فهي تشتمل من المعارف الإلهية على آخر ما
تتحمله البنية الإنسانية، ومن الشرائع على ما لا يشذّ منه شاذ من أعمال الإنسان
الفردية والاجتماعية، وقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْه} [المائدة: 48]، فما يهدي إليه القرآن أقوم مما يهدي إليه غيره من
الكتب<.([4])
فإذاً، يجب أن ندرك
جيدا مفهوم الأقوميّة الذي طرحته الآية الشريفة بنحو الصيغة النهائية: {إِنَّ
هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أقوم}، وهو أن القرآن الكريم يتمثّل
بالمعصوم، وأعني: الإمام المهدي× في مقام البحث، وكذلك الإمام المهدي×
يتمثّل بالقرآن الكريم واقعا وفعلا.
وبهذا، فإن مفهوم الأقوميّة القرآني الإطلاقي، يختزن في ذاته
صوابيّة جميع الأبعاد المُحتملة والمتوقعة وحقانيتها وجودياً، ابتداءً من الاعتقادات
والأفكار، فالقرآن الكريم أو المعصوم×، إنما يدعوان إلى الاعتقاد، والفكر
الحق، والتطبيق العادل؛ ومن هنا، نعتقد بأن العقيدة المهدوية هي الصيغة والصبغة
الإلهية النهائية الأقوم، وهي التي ستصل بين الإنسان وربه، في محورية العدل والحق
والعبادة وتطبيقاتها.
وكذلك سينبسط
مفهوم الأقومية تطبيقاً في وجوده الأخير، عند ظهور الإمام المهدي× وقيامه، في
تصحيح مسارات القوانين والأنظمة البشرية اجتماعياً، وقضائياً، وأخلاقياً، وفكرياً،
وحتى عسكرياً وسياسياً؛ وهذا ما سيجعل البشرية تعيش في وجودها الحياتي ثنائيةَ المادية
والمعنوية، وستدفع بالجميع باتجاه التنمية والتطور والتكامل.
وستبسط الأقوميةُ القرآنية والإمامية أيضا، نفوذَها القيمي
في البعد العبادي والروحي بتحدّده مع الله تعالى والمجتمع، إذ تجعل من الإنسان
يعيش الوسطية المتوازنة بين الإفراط والتفريط، وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].
ونحن لا نشك قطعاً، في أن المهدوية ستكون هي الأنموذج
المعصوم في تطبيق المنهج الأقوم في نظام الوجود بشرياً، وهي بذلك ستنجح في إقامة
العدل والإصلاح، ومواجهة الظلم والظالمين.
ويقيناً،
إذا كان القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم؛ فستكون المهدوية الخاتمة قطعاً هي
المنهج الأقوم، في كل أبعاد الحياة البشرية وهي أحقُّ مَن تُتَبع، كما قال الله
تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ
يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35].
أخيراً،
إنّ مفهوم (أقوم) وصيغته في الآية الشريفة، فيه إشارة إلى أنّ الإسلام هو آخر
دين إلهي حق. وأن النبي الأكرم الخاتم محمد’ هو آخر الأنبياء. وأن الإمام
المهدي× -بحكم الاعتقاد، وتطبيق التفسير المأثور عن المعصومين^- هو آخر
الأئمة المعصومين^.
المستند
في ذلك، هو أن صيغة أقوم -بوصفها أفعل- هي تفضيل، تمثّل أعلى درجات التفضيل مفهوماً
ودلالة. وليس بعد صيغة التفضيل (أقوم) من درجةٍ مراحليةٍ في التفضيل.
القسم الأول
الأنثروبولوجيا الثقافيّة
والقضيَّة المَهدويَّة
توظيفٌ ثقافي في التقارب
الآيديولوجي والمُعطيات
إن الإطّلاع المفتوح
والتتبّع المعرفي في العلوم الإنسانيّة الجديدة، وفي المواقع الإلكترونية عامة، والنشر
الكتابي والرقميّ خاصة، يُثبِتُ وجودَ ثمةَ اتجاه عند مَن كتب في علم
الأنثروبولوجيا عامةً، من باحثي الغرب وحتى الشرق، فضلاً عن مَن يهتمون بهذا
المنحى الإنساني الجديد من مثقفين وقرّاء وغيرهم.
يتجلى هذا الاتجاه، في
محور الثقافة الإنسانية عامة تكوّناً وصيرورةً وتطورا، مما يدفعنا حافز الإيمان
بقضيّة الإمام المهدي× فكرةً وشخصاً ومفهوماً ومصداقاً، إلى ضرورة التعرّف إلى هذا
الاتجاه الإنساني في طوره وسيره الثقافي باعثاً وهدفا.
وفهم الآيديولوجيّة عند
أصحاب هذا الاتجاه الجديد، في علم الأنثروبولوجيا، في المنظومة المفهومية
والتطبيقية، التي تؤمن بضرورة أن تصحّح الشعوب والأمم والأفراد ثقافاتها بالوجهة
الحقة، وهذا ما نعتقد أنه سيحصل قطعاً في ظرف نضج العقل الإنساني وتكامل وعيه
فعليّا. وهو ما نُعبِّر عنه بعصر ظهور الإمام المهدي×، وقيامه بالحق.
من هنا، لا بد من بيان مفهوم الأنثروبولوجيا، الذي
يعني علم الإنسان الثقافي، أو الأناسة الثقافية (Cultural anthropology)، وهو من فروع علم الإنسان العام، يهتم بدراسة الثقافة
من جوانبها المختلفة، حيث يركز على دراسة بناء الثقافات البشرية وأدائها وظائفها
في كل زمان ومكان.
يهتم دارس الأناسة
الثقافية بجميع الثقافات؛ لأنها تسهم في الكشف عن استجابات الناس نحو مشكلات
الحياة والعمل، ومن أهم عناصر الثقافة اللغة، ويرجع الفضل إلى العالم إدوارد
تايلور، في نشأة هذا الفرع وتطوره وتنظيم موضوعاته في إطار واحد ينتظم حول الثقافة،
ولعلّ التعريف الذي قدّمه تايلور ما يزال سائداً حتى يومنا هذا، على الرغم من
ظهوره عام 1878م، ويذهب إلى تعريف الثقافة بأنها: ذلك الكلّ المركب الذي يضم
المعرفة والعادات والمعتقدات والأخلاق والفن والقانون، وأية قدرات أخرى يكتسبها
الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع.([5])
إنَّ المزية البارزة في
علم الأنثروبولوجيا، هي تقاربها الآيديولوجي والإنساني في دراستها
الموضوعية والواقعية للظاهرة الثقافية بشرياً وتأريخيا مع ما نؤمن به دينياً، من الاهتمام
بالظاهرة الثقافيّة المؤثّرة في الشخصيّة الإنسانية فكراً وسلوكا، ودراسة عناصرها
الفكرية وعمليات التغيير التي تطرأ عليها، وقدرتها على التمازج الثقافي مع ما
تختلف معه جوهراً وعرضاً. وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات الإنسانية عامة،
التي من أهمها -بحسب مُدركات العقل العملي بشرياً:
التي من أهمها -بحسب مُدركات العقل العملي بشرياً:
1- حسن العدل وضرورة
تطبيقه.
2- قبح الظلم وضرورة تجنّبه.
3- الإيمان بالحق وإنكار
الباطل.
4- المساواة التطبيقية.
وغيرها كثير.
والاهتمام أيضاً
بالمراحليّة([6]) التطورية معرفياً
وثقافياً وتكنولوجيا.
إن الأنثربولوجيا
المُعاصرة، تتجه اليوم إلى طرح حلول ومعالجات جادة، للإشكاليات التي تواجهها
الشعوب وحكوماتها. في أبعاد الاقتصاد، والإدارة، والحقوق الإنسانية والدينية
والأخلاقية خاصة. وهي تؤمن بالتغيير الحضاري الصالح والإيجابي للإنسانية قاطبة.
هذا الاتجاه الإنسانيّ
المنحى، فرض عليها الإيمان بالتواصل الحضاري والثقافي مع الآخر المُختلف معها؛ بحيث
أسّس الأنثروبولوجيون قسماً خاصاً يهتمّ بدراسة الثقافات البشرية كافة، والمقايسة
بينها والإفادة منها والتأثير بها. من خلال الاتصال الثقافي أو ما يُسمونه
بالتثاقف والمُثاقفة، وأضيفُ إليها تنقيحاً وتصحيحاً الإيجابية المُطلقة
آيديولوجياً وأخلاقياً.
وذلك يفرضُ علينا نحن
المؤمنين خاصةً بالقضية المهدوية فكرةً وشخصاً، عرضَ ثقافتنا الإسلامية والمهدوية،
بوصفها ظاهرةً ثقافية إنسانية ومُعتقداً دينيا مُحقا. باتباعنا منهج الحوار
الموضوعي المُتسالم عليه عقلائيا بين بني البشر، والانطلاق وفق ما يؤمن به الآخر،
من نظريات إنسانية تتقارب آيديولوجيا مع مرتكزاتنا الفكرية والدينية والثقافية، لا
سيما الاتجاه الذي يؤمن بأنّ التأريخ الإنساني يتجه في حركته نحو التكامل، والتطور،
والتنمية البشرية، والتوحّد الثقافي، وربما حتى النفسي بين بني البشر، حيثُ
تتوفر المُناخات الإيجابية والصالحة، وتستقر الإدراكات في الذهن الإنساني عند نقطة
العدل والحق مفاهيمياً؛ مما يَلزَم من ذلك الاستقرار الإدراكي تطبيقا عادلاً
ومشروعا.([7])
وليس من الغلو، ولا حتى
من الميثولوجيا فيما إذا تبنينا نظرية الأنثروبولوجيا في دراسة المهدويّة الحقّة. ما
دام هناك توحد في البواعث، والدوافع، والأهداف، بالمعنى الاجتماعي والثقافي بين
منظومتي الأنثروبولوجيا العامة والإسلام خاصة؛ ذلك كون مادة الاجتماع والتقارب بين
المنظومتين، هو دراسة الإنسان بوصفه كائناً عضويا في المجتمع البشري، وله
وظائفه ووسائله في صنع الحدث المجتمعي، وقدرته في التأثير والتأثر في الظاهرة
الثقافيّة.([8])
لذا نجد طلب السلام
والعدل والمساواة والإصلاح، كلها مواد جامعة لاتجاهات التغيير في الأنثروبولوجيا
والإسلام في التوصيف المهدوي خاصة. وإن اختلفت الأنماط والمناهج تطبيقياً، فالمهم
هو الالتقاء في النتيجة والثمرات.
مما يُكوّن ذلك
المُلتقى دافعاً لنا، (نحن المؤمنين بالظاهرة المهدوية، بوصفها اعتقاداً أو
ثقافةً) في ضرورة التأصيل والتحرّك الواعي، انطلاقا من الأصل إلى النتيجة، والحفاظ
على استقرار الإدراك الذهني عندنا عقدياً وثقافيا، وعدم السماح للآخر باختطاف
إدراكنا في وقتٍ ما.
فإذا كانتْ آيديولوجيّة
الأنثروبولوجيا، تؤمن بأن للظاهرة الثقافية الإنسانية وجهين: عقلاني، وموضوعي، يتوفّر
الوجه الأول على ثقافة عقلانية قويمة مقبولة عند الجميع مفاهيمياً وإذعانيا، ويتوفّر
الوجه الثاني، على حزمةٍ من القيم الاجتماعية والفكرية وأنماطها الصائبة، مما
يؤسِّس لطريقة حياة صالحة للناس أجمعين، فكذلك يوجد عند الآيديولوجية المهدوية الوجهان
العقلاني والموضوعي ذاتهما، إذ الظاهرة أو العقيدة المهدوية، تنطلق هي
الأخرى من أصلٍ عقلاني مكين ومتين يقينا، وأعني به: ضرورة وجود إمامٍ معصوم،
ومُصلح للعالم أجمع, ومن واقع موضوعي قويم يُرادُ له التحقق وجوديا، وأعني به:
قيمة الاعتقاد وحقيقته بولادة الإمام المهدي×، ووجوده الواقعي المُعاصر، وترقّب
ظهوره الشريف في المستقبل القريب بإذن الله تعالى.
ومما يُلفت الانتباه، أن
علماء الأنثروبولوجيا المُعاصرين، يعتقدون أن الحضارة الإنسانية المُرتقبة ما هي
إلاَّ مجرد نوعٍ راقٍ وشكل خاص من الثقافة. وهذا يعني أن الثقافة الإنسانية العامة
والمتجانسة، لها معايير قيميّة تتحدّد بحسب دراسة الإنثروبولوجيا في محددات، أهمها:
1- التحيّزات الثقافية: ويعنون
بها (القيم والمعتقدات المتجانسة بين الناس أجمعين)، وهنا نتّحد ونتفق معهم
بالتجانس القيمي والاعتقادي الحق، نحو الإيمان بالخير والعدل وما يجوز وما لا يجوز
عقلانيا.
2- العلاقات الاجتماعية
التي تربط بني البشر ببعضهم البعض، الناتجة عن التعارف والتواصل الإنساني إيجابياً، وهذا
المُحدد المعياري في بوصلة الثقافة الإنسانية العامة، قد أشار إليه القرآن الكريم،
في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. [الحجرات: 13].
3- أنماط الحياة العامة وأساليبها.
ويعنون بها: الحداثة الأسلوبية المُمنهجة، ووسائل التجدّد التقني. وهذا المحدد
الأخير هو ناتجٌ كلي مركب من المُحدّدَين الأول والثاني.
وبهذا التحديد المعياري
والقيمي للظاهرة الثقافية الإنسانية، تتمكن الثقافة هذه من أن تهدي الإنسان
للتي هي أحسن وأقوم سبيلا.
وبالتالي تتقارب
المفاهيم في معقولاتها الأولية والثانوية بين الآيديولوجيتين الأنثروبولوجيا
والمهدوية. وربما تتفق معها في آخر الأمر، في وحدة المنهج التطبيقي للإصلاح العام
بشريا.
القسم الثاني
إمكان التقارب المَنهَجي بين
الأنثروبولوجيا والمَهدويَّة في حل مشكلات الحياة البشرية عامّة.
بعد أن عرضنا في القسم
الأول إلى إمكان توظيف التقارب الأيديولوجي ثقافياً، بين الأنثروبولوجيا المُعاصرة
والمهدوية الخاتِمة، بحكم وحدة الموضوع المبحوث عنه، وهو الإنسان وإصلاحه
وتطويره وتنميته مُطلقاً، بوصفه عضواً حيويا ومؤثرا في التغيير الاجتماعي، سنبحثُ
في إمكان التقارب المنهجي بين الآيديولوجيتين في حل مشكلات الإنسان عامة، مُستشهِدين
بقول بعض علماء الأنثروبولوجيا، ومنهم: جون موناغان، وبيتر جست، وهو >يبدو
واضحاً أن شيئاً واحداً (الدين أو المُعتقد)، يساعدنا على التعامل مع مشاكل
الحياة البشرية المهمة. هناك طريقة واحدة مهمة, (اكتمال المعتقدات الدينية)، من
خلال تقديم مجموعة من الأفكار حول كيف ولماذا تم وضع العالم معاً؟ والتي تسمح
للناس باستيعاب الهم والتعامل مع المحن<.([9])
إنَّما اقتضبنا هذا
القول الصادر من علماء الأنثروبولوجيا الحديثة، اعترافاً صريحاً ومُقارباً آيديولوجياً
ممكناً، لِما تتبناه المنهجيّة الدينية المهدوية شخصاً وفكراً، في التعاطي مع
ضرورة حل مشكلات الإنسان والمجتمع عامة، وهذا التوصيف الأنثروبولوجي
المُنصِف قد أعطى للدين حقه في التشخيص والمعالجة لمشكلات الحياة البشرية
عامةً، وأقرّ:
1- بضرورة أن يُذعن
المجتمع الحديث إلى الإرشاد الديني السليم ويستجيب له طوعاً. ويُقارب ذلك
منهجيّا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن
رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}
[يونس: 57]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ
لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. [الأنفال:
24].
2- الدين يُمثِّل الأساس
الرئيس بالتأثير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والفكرية والسياسية، وغيرها من
أمهات الأمور. لذا نبّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الفكرية والمنهجيّة؛ فقال
تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}
[القصص: 77].
3- يتوفَّر الدين على
منهجيّات وآليات قادرة على تنظيم حياة الفرد والمجتمع حديثاً بصورة صالحة. وهذا
عينُ ما نؤمن به دينياً ومهدوياً، قال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ
يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: 9].
4- يوجد اعتراف ضمني في
هذا النص، بأنّ الإنسان ذاته هو مَن يُحدِث المشاكل في هذه الحياة. وهذا ما يتقارب
مفهومياً في التشخيص، مع ما طرحه القرآن الكريم في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ
الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الروم: 41].
إذاً يتجلى مما تقدّم،
أن الإنسان لا ينفك في احتياجه إلى الدين بقاءً، مثلما احتاجه حدوثاً من أول
تأريخه وجوديا.
ومن هنا يبرز دور
الأنثروبولوجيا الحديثة والمهدوية المُعاصرة،([10]) في التعاطي مع منظومة الدين
جنساً([11]) بوصفها اعتقادا مُحقاً،
ومع الإنسان طبيعةً بوصفه كائنا مُكلَّفا مُلزماً، وعضوا مُحقاً أيضا، وهذا الدور
البارز في حركة علم الأنثروبولوجيا ومنهجية المهدوية الدينية، يجب أن يصب اهتمامه
على التغيير الإيجابي والصالح في طبيعة الإنسان، في صور انحرافها فكريا وسلوكياً؛ ذلك
أن الإنسان هو أمين الله تعالى في الأرض، وهو القادر -مع الإمام المعصوم×- على
صياغة شكل الحياة بالصورة الأفضل والأنسب ثقافياً ومجتمعياً وأخلاقياً، ودينيا
وعقلانياً.
وما الطبيعة ومواردها
وما فيها إلاّ كنز وهبته السماء للإنسان؛ كي يُحسن التصرف فيه ويؤمِّن عيشه وينشر
العدل ويُطبّقه، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً
وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا
هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20]. فإذا ما صان الإنسان أمانته بوجهٍ
عادل وحق، فسيبلغ الجنس البشري حد التواطؤ والتوافق المصداقي في عقيدته
وسلوكه وثقافته ونمط عيشه آمنا. وهذا ما ستتكفل بتحقيقه المنهجيات المُتقاربة
والمُشتركة بين الآيديولوجيتين الوضعية والإلهيّة في نهاية الأمر بحسب
الإمكان، وبدعم آليات المُثاقفة الإنسانية الجديدة.
من الواضح أن الإنسان
في هذه الأرض، هو واحدٌ في مفهومه وطبيعته تكوناً وصيرورةً، وكذا الطبيعة
الوجودية هي الأخرى، واحدةٌ في مادتها ووجودها، وإذا كان الأمر كذلك فكلّ ما
يواجهه الناسُ من مشكلات عامة فهي متشابهةٌ في الأعم الأغلب، في ماهياتها
وأسبابها، ومن ثمّ تكون الحلول والخيارات العلاجية متشابهةٌ أيضاً،
فما يطرحه الدين من حلولٍ تجاه مشكلات العصر والحياة، هي ذاتها قد توصّل إليها الأنثروبولوجيون اليوم، مهما اختلفتِ التسميات والمنهجيات، لطالما الإنسان واحد مفهوماً ووجودا، ولعلَّ أبرز ما يواجهه الإنسانُ اليوم من مشكلات، تتركّز في أبعاد الفكر، والثقافة، والإدارة السياسية، والاقتصاد، والأخلاق، والحريات، والحقوق، وكل تلك الأبعاد الحياتية، قد أخذتْ قدراً كافيا وعادلاً في تصورات المهدوية المُرتقبُ تطبيقُها مصداقياً، من حيث تحديد المشكلة وعلاجها الناجع الذي يكمن في تطبيق العدل ميدانيا.
فما يطرحه الدين من حلولٍ تجاه مشكلات العصر والحياة، هي ذاتها قد توصّل إليها الأنثروبولوجيون اليوم، مهما اختلفتِ التسميات والمنهجيات، لطالما الإنسان واحد مفهوماً ووجودا، ولعلَّ أبرز ما يواجهه الإنسانُ اليوم من مشكلات، تتركّز في أبعاد الفكر، والثقافة، والإدارة السياسية، والاقتصاد، والأخلاق، والحريات، والحقوق، وكل تلك الأبعاد الحياتية، قد أخذتْ قدراً كافيا وعادلاً في تصورات المهدوية المُرتقبُ تطبيقُها مصداقياً، من حيث تحديد المشكلة وعلاجها الناجع الذي يكمن في تطبيق العدل ميدانيا.
ففي بُعد الثقافة
والمعرفة، ونضج العقل البشري، والإدارة والاقتصاد والتدبير، والحكم، يظهر
عنوان العدل والقسط الإطلاقي، بصورة تُعالج ما حُرِمت منه الأممُ والشعوب على
مر التأريخ المنصرم، قبل وقت الظهور والقيام المهدوي الشريف، فعن الإمام أبي
جعفر الباقر×، روي أنه، قال: >إذا قام قائمنا، وضع اللهُ يدَه على رؤوس العباد،
فجمعَ بها عقولَهم وكُملَتْ به أحلامهم<.([12])
وأما في بُعد الاقتصاد
والإدارة، وإعادة توزيع الثروات الطبيعية خصوصاً بصورة عادلة ومنصفة للجميع، فيُروى
عن الأئمة^، أنه: >إذا قام قائمنا صلوات الله عليه، يعدلُ في خلق الرحمن بالسويّة،
البر منهم والفاجر<.([13])
لذا جاءت النبوءات
والإخبارات بحقيقة الظهور المُرتقَب، بوصفه ظاهرة وجودية ستكشف عن أصل القيم
الإنسانية وجذرها، وهو العدل مُطلقاً، الذي سيتم تطبيقه بصورة مُمَنهجة بيد الإمام
المهدي× مُستقبلاً وبإذن الله تعالى، وأنه سيملأ الأرضَ قسطاً وعدلا كما مُلِئت
جورا وظلماً، ذلك أنَّ العدل، هو الأصل الذي يختزن في ماهيّته كلَّ الحلول
والعلاجات لما يواجهه الإنسان والمجتمع عامة.
ذات مرّة >سُئِلَ
الإمام علي×: أيّهما أفضل: العدل أو الجود؟ فقال×: العدل يضع الأمورَ
مواضعها، والجود يخرجها من جهتها.
العدل سائس عام، والجود عارض خاص؛
فالعدل أشرفهما وأفضلهما<،([14]) وقال× أيضا: >وكفى بالعدل سائسا<.([15])
العدل سائس عام، والجود عارض خاص؛
فالعدل أشرفهما وأفضلهما<،([14]) وقال× أيضا: >وكفى بالعدل سائسا<.([15])
أي: أن العدل هو أساسٌ
ونظامٌ للحياة البشرية كافة، في كل أبعادها الاقتصادية والحقوقية والتطبيقية
وغيرها؛ فالقوة بلا عدل هي استبداد، والحرية بلا عدالة هي فوضى، والعلم بلا
إنصاف وأخلاق عملية هو ضلال وفساد، إذاً، فلا حياة بلا عدل مفهوماً وتطبيقا.
إن القرآن الكريم قد بيّن
ذلك المعيار في تحديد ظاهرة العدل وأهميتها بشرياً، بوصفها غاية مطلوبة في حركة
المُصلحين كافة، وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة^، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحديد: 25]، وطبقاً لكون العدل هو الغاية المطلوبة
إنسانيا؛ فلا بدّ من منهجيّات إلهيّة أو وضعيّة ينطلق بها الإنسان المُكلّف، أو
العضوي([16]) بحسب منظومة الإسلام
في المهدوية خاصة، والأنثروبولوجيا عامة في حركته التغييرية الصالحة.
ومن أبرز هذه
المنهجيّات المتقاربة في دافعها وغرضها النهائي، هي ما يأتي:
>1- الرصـــد
للحدث الفردي أو الجمــــاعي/ الملاحظة (Direct Observation):
وهي أحد الأساليب التي
يستخدمها الأنثروبولوجي في دراسة ظاهرةٍ ما، نحو شيوع الظلم بين الناس رئيساً ومرؤوساً،
في الوحدات الاجتماعية كافة، ووضع معالجات جادة لذلك<.([17])
يقوم هذا الأسلوب على
مراقبةِ أو معاينة أفراد الشعب الذين تجري عليهم الدراسة، في تأدية أعمالهم
اليوميّة المعتادة، وكذلك حضور المناسبات العامة التي يقيمها أبناء هذا الشعب، منها
الاجتماعات الدينية أو الشعبية، ورصد الحركات والتصرّفات، وأن يتمتّع الأنثربولوجي
بقدر كبير من الاهتمام والوعي، بأبعاد الظاهرة التي يقوم بدراستها نفسياً
وسلوكياً؛ كي يتمكن من علاجها فعلياً بدقّة وموضوعية وبحكمة.
وهذا المنهج الوضعي في الأنثروبولوجي،
ليس ببعيد مفهوماً وحتى مصداقاً عن قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى
الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ
اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [المائدة: 2].
إن أوضح مسارٍ للمقاربة
المنهجية في منظومة الإسلام، بمهدويته المعاصرة مع الأنثروبولوجيا، يوجد في أسلوب
الملاحظة والرصد، وهو منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بآلياته الشرعية
والعادلة والعقلانية.
>2- منهج
المشاركة الإصلاحيّة (Participation).
وهي طريقةٌ يتّبعها الأنثروبولوجي، تتمثّل
في قيامه بأعمال تقوم بها الجماعة المرصودة، أو المقصودة بالمعالجة والتغيير؛ وذلك
تقرّباً إليها، وكسباًً لودّها، ودخولاً إلى أدقّ التفاصيل في ممارسات أفراد هذه
الجماعة الخاصة والعامة. كأن يمارس الأنثروبولوجي بعضَ الطقوس الدينية أو
الاجتماعية، أو يقوم ببعض الأعمال التي تعدّ من النشاط اليومي للجماعة، ومن ثَم،
تكون هذه المشاركة الميدانية، والمعلومات التي تأتي من الملاحظة والرصد
بالمشاركة، مهمّة بالنسبة للتغيير المطلوب؛ إذ أنها تكشف عن سايكولوجيات
الفرد والجماعة، وتُساعد في فهم جذر المشكلة، وتُمكّن من الوصول إلى حلّها
عملياً<.([18])
إن منهج المشاركة هذا
في أنثروبولوجيته، هو واضح ومُقارب نسبياً لما أراده اللهُ تعالى في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71].
فالملاحظ في
الأنثروبولوجيا الثقافية، أنَّها تتوفر على منهجٍ منظّم، ومشروط بشروط عقلانية
متوازنة وحكيمة، تشبه بوجه ما شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منظومة الإسلام
العزيز، وهو محور ما ستقوم عليه دولة الإمام المهدي× ومن أهمّ تلك الشروط:
1- معرفة جوهر المعروف
والمنكر مفهوماً؛ حتى يتسنّى للمُكلّف التغيير والإصلاح، والعلم بقبول الآخر
للتغيير المطلوب إيجابيا وصالحا.
2- الوقوف على أسباب
ظاهرةِ ارتكاب المنكر وترك المعروف، ودراستها وتقديم الحلول اللازمة لها، وتجنّب
وسائلِ العنف في حقّ الآخر، فضلاً عن معرفة نفس القائم بالوظيفة ذاتها، وظيفةِ
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا ما لوحِظَ بصورة
متقاربة مفهوماً، عند الأنثروبولوجيين الذين يوجِبون على العضو الأنثروبولوجي،
معرفةَ الطريقة التي عليه أن يستخدمها في تعاطيه مع مشاكل الإنسان، كأن يكون
عارفاً بقيَم الناس الذين يتعامل معهم، والقوانين التي تحكم سلوكاتهم وأساليب
التعامل معهم، وهذا ما يتيح لـه بناء علاقة وديّة معهم وتسهّل في النهاية مهمة
التغيير والتطوير والتنمية.([19])
القسم الثالث
علم الثقافات
المُقارن الأثنولوجيا (Ethnology) والمَهدويَّة/
وحدةُ موضوعٍ وهدف
إن اختلاف الثقافات
الإنسانية في ماهيّتها وسلوكها، هو واقع فرضته ظروفٌ معيّنة، لها علاقة بالتكوين
الخَلقي والخُلقي، من أوّل نشأة الإنسان وتمرحله عبر الزمان والمكان حياتياً، لكن
هذا لا ينفي إمكانَ وقوع التقارب والتقارن ، بل حتى الاتحاد مع ماهية المهدوية
المُنتَظرَة -بوصفها ثقافة إنسانية ودينية خاتمة ومُمَنهجة وهادفة، تختزن الإسلام
حدوثاً وبقاءً.([20])
لطالما كان الاختلاف
والتباين في اللغة والثقافة في صورتها الصالحة، وحتى في اللون، هو صنيعة الإبداع
الإلهي الحكيم، مما يتطلَّب منّا الوقوف عند هذا موقفا نضيجاً في فكره وسلوكه
وخياره؛ لذا قال اللهُ تعالى تنبيهاً على ذلك: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ
فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22].
إذا قبلنا بهذه الحقيقة
الثقافية الإنسانية وجودياً، فعلينا أن نقبلَ بالتقارن والتمازج مع الآخر، بصورةٍ
تحفظ الأصالة القيَميّة عندنا، وتتفاعل مع الحداثة منهجاً متجددا في وسائل
الحياة المُعاصرة والمستقبلية. وتكسبُ الحداثيين المختلفين معنا آيدويولوجياً، في
تصوراتهم عن الكون والحياة والإنسان ومصيره كسباً إقناعيا؛ ذلك أن إمكان التقارن
أو التمازج مع الآخر المُناظر لنا في الخَلق والمُختلِف معنا في ثقافته، هو غاية
مطلوبة عقلائيا عند الجميع؛ بفعل نظام الاجتماع البشري القائم على بُعد الاحتياج
إلى الآخر في ضرورات التعايش الحياتي.
بل حتى أن القرآن
الكريم قد أثار مفردةَ التواصل والتعارف مع الآخر، في ضرورةٍ تفرضها طبيعة التنوع
البشري خَلقيا ولغوياً وثقافيا وآيديولوجيا.
قال تعالى: {يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. إن المَلحَظ الأساسُ في هذا النص
القرآني الحكيم، هو مخاطبة الناس كافة بوصفهم خَلقاً إلهيّا قد تساووا في الأصل،
وتنوعوا عنه شعوبا وقبائلَ، وربما اختلفوا بفعل ذلك في ألسنتهم وألوانهم وحتى
ثقافاتهم.
في النتيجة، يبقى خيار التعارف مُنحفظاً ثقافيا في
مطلوبيته ومحبوبيّته، طالباً التحققَ واقعيا ووجوديا في ساحة الحياة لا محالة، وهذا
ما يمكن أن تنتهي إليه الأثنولوجيا الجديدة والمهدوية الأصيلة في حركتهما
الإصلاحية التغييرية في المجتمع البشري.
>من هنا اتفق
الأنثروبولوجيون على تقسيم الأنثروبولوجيا الثقافية إلى ثلاثة أقسام أساسية، هي:
- علم الآثار.
- علم اللغويات.
- علم الثقافات
المُقارن (الأثنولوجيا).
والقسم الأخير هذا،
يدرسُ خصائصَ الشعوب اللغوية والثقافية والسلالية<؛([21]) مما يجعله مُتقارباً
بنسبة كبيرة لما طرحه القرآن الكريم من مادةٍ موضوعية واقعية، تصفُ الإنسان
بوحدة الأصل أولاً، وتنبّهه إلى طبيعية التنوع في الجنس واللغة والثقافة
ثانياً. ومن ثم تشترك معه في الهدف والغاية إصلاحاً وتطويراً، وتقارناً وتفاعلا
وتعايشا.
>إنّ اهتمام
الأثنولوجيا بدراسة الثقافة على أسس مقارنة، وفي ضوء نظرياتٍ وقواعد ثابتة، بقصد
استنباط تعميمات عن أصول الثقافات وتطوّرها، وأوجه الاختلاف فيما بينها، وتحليل
انتشارها تحليلاً تاريخياً<،([22]) يُثير نقطةً بحثيّة
تتمحور حول حكمةٍ مقبولة عقلائياً، وهي التحليل والمقارنة بقصد التقارب والتجانس
الثقافي إنسانياً، من دون أن يكتنف ذلك منزعُ الاستعلاء على الآخر، أو
الهيمنة الآيديولوجية، أو إلغاء إرثه المعرفي والثقافيّ السليم، هذا ما تجلّى
وضوحاً وقصدا عند بعض الأثنولوجيين في أوروبا وإنكلترا خاصة، >حيثُ دعمتْ
دراساتُ هرسكو فيتز فكرةَ النسبية الثقافية، حيث تساءل: كيف يمكن أن نطلقَ أحكاماً
تقييميّة على الثقافة البدائية، تلك الثقافة التي لا تعرف الكتابة؟ وأنّ كل
فرد ينتمي إلى هذه الثقافة، يفسّر الحياة الإنسانية في حدود ثقافته الخاصة؟ ولذلك؛
فمن الخطأ أن تسعى الثقافة الغربية (الأمريكية أو الأوروبية) لإطلاق أحكامٍ
مسبّقة على الثقافات الأخرى، وتتّخذ من هذه الأحكام مبرّراً أساسيّاً
للممارسات الاستعمارية على أهل تلك الثقافات<.([23])
ونتيجة لاهتمام علم
الثقافات المقارن (الأثنولوجيا)، بدراسة مكونات الثقافة الإنسانية والعلاقة
المُتبادلة بينها؛ برزتْ نظريتان رئيستان في دراسة الثقافة الإنسانية كليّاً، هما:
>1- نظرية الاتصال
الثقافي (التثاقف والمثاقفة): شغلَتْ مسألةُ تعريفِ كلمةِ التثاقفِ (المثاقفة)، وتحديدُ
نطاق العمل الذي تنطبق عليه، مكانَ الصدارة منذ عام 1935م، إذ قدّمت لجنة (مجلس
البحث الاجتماعي) تعريفاً لها جزءاً من مذكّرة أعدتها؛ لتكون دليلاً في البحث عن
التثاقف. وينصّ التعريف على أنّ: التثاقف يشمل الظواهرَ التي تنجم عن الاحتكاك
المباشر والمستمرّ، بين جماعتين من الأفراد مختلفتين في الثقافة، مع ما تجرّه هذه
الظواهر من تغيّرات في نماذج الثقافة الأصلية، لدى إحدى المجموعتين أو كلتيهما<.([24])
وهذا التعريف يعني أنّ
التثاقف (المُثاقفة)، هو تأثّر الثقافات بعضها ببعض، نتيجة الاتصال بين الشعوب
والمجتمعات، مهما كانت طبيعة هذا الاتّصال وأهدافه، وإن كانت معظم دراسات الاتصال
الثقافي، ركّزت بالدرجة الأولى على نوع معيّن من عمليات التغيير، وهو التغيير
الاجتماعي، أو تغيير الحياة الاجتماعية، وانعكاس ذلك التغيير على الثقافة.
>يوجد ثمةّ مفهوم
آخر مرادف لكلمة (المثاقفة)، وهو (المناقلة الثقافية) (Transculturation)، الذي ظهر للمرّة الأولى في عام 1940، إذ علّل الباحث الكوبي
أورتيز (Ortiz) هذا المفهوم، بقوله: إنّني أؤيّد الرأي بأن
كلمة (المناقلة الثقافية)، تعبّر بشكل أفضل من مراحل سياق الانتقال المختلفة
من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ لأن هذا السياق لا يشتمل فقط على اكتساب ثقافة أخرى، بل
يتضمّن أيضاً بالضرورة، فقدانَ مقدارٍ ما من ثقافة سابقة، أي الانتزاع
منها. وهو ما يمكن تعريفه بــ (التجريد الثقافي) (Deculturation). أضف إلى ذلك، أنّه يقود من ثمّ إلى فكرة ظاهرةِ نشأة
ثقافة جديدة، وهو ما يمكن تسميته (التثقيف الجديد)<.([25])
وطبقاً لهذه النظرية
الرئيسة في علم الأثنولوجيا، سيكون التغيير الاجتماعي مرهوناً بالتغيير
الثقافي في منحاه الفكري والسلوكي، بحيث يأخذ صفة الشمولية وصفاً واقعيا ممتداً
عمودياً وأفقياً، بمعنى أن التغيير القادم للإنسان يجب أن يتحدّد في تصحيح علاقته تصحيحا
عادلاً، عمودياً مع خالقه سبحانه وتعالى، وأفقياً مع الناس أجمعين. هذا ما سينتجه
التواصلُ المشروع والهادف أثراً وغرضاً بين مختلف الثقافات الإنسانية بفعل قانون
التأثر والتأثير.
لذا من الضروري توظيف
هذه الرؤية الثقافية في نسبيتها، في العمل على مباشرة التغيير الثقافي([26]) في مجتمعنا الإسلامي،
في مَن يعتقد بالإمام المهدي× إماماً خاتِما ومُصلحاً خاصة.
ذلك كون التغيير
الثقافي في منحاه الصالح، سينتج جيلاً مهدوياً مُهذبا وواعياً، يستطيع أن
يترك أثره السلوكي والتربوي نتاجاً مؤثِّرا في هذه الحياة، مما يجعل الحراك الاجتماعي
حراكاً ثقافيا سينتهي يقيناً إلى الوصول عند مستقرٍ إنساني كبير، وهو ما نُسميه
بعصر الظهور الشريف والقيام المهدوي الحق.
فالتواصل الثقافي أو
المُناقلة الثقافية، أيّا كانت التسميات، كُلها تؤمن بالتغيير المُرتقب
إيجايباً، هذا ما توفّرت عليه نظرية الاتصال الثقافي، إذ أذعنت بمفردة اكتساب
الثقافة الصالحة أو الإيجابية بحسب مبناهم، وفقدان المقدار النسبي من الثقافة
تصحيحاً أو تقويماً، وصولاً إلى ثقافة جديدة يقبلها الجميع، بحسب تعبير
الباحث الكوبي أورتيز، الذي آمن بنظرية المناقلة الثقافية، وأيّدَ أن التجريد
الثقافي يقود تالياً إلى فكرةِ ظاهرة نشأة ثقافةٍ جديدة، وهو ما يمكن تسميته (التثقيف
الجديد).
2- النظرية التطوّرية
الجديدة
ظهر في نهاية النصف
الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين، عدد من الأنثروبولوجيين الذين بدؤوا
يضعون نظريةً خاصة بدراسة المجتمعات الإنسانية ومراحل تطوّرها، وموقع التغيير
الثقافي في ذلك.
كان من أبرز هؤلاء،
عالم الآثار الإنكليزي (جوردن تشايلد)، والأمريكيان (جوليان ستيوارد، وليزلي هوايت)،
الذين دعوا إلى عدم استخدام النظم الأوروبية أساساً لقياس التطوّر، وضرورة
إيجاد محكّات أخرى يمكن القياس بها.
>فقد أكّد (هوايت)
في كتابه (علم الثقافة) المنشور عام 1949م، أنّ من المهمّ ألاّ تقتصر النظرية
التطوريّة على تحديد مراحل معيّنة لتسلسل النمو الثقافي، وإنّما لا بدّ من إبراز
العامل أو العوامل التي تحدّد هذا التطوّر. ويمثّل عامل (الطاقة) -في رأيه- المحك
الرئيس لتقدّم الشعوب. أي أنّ المضمون التكنولوجي في ثقافة ما، يحدّد كيانها
الاجتماعي واتّجاهاتها الأيديولوجية<.([27])
إن المُتفحِّص في هذه
النظرية بدقة، يبرز وينقدح في وعيه أن معيار التغيير والتطوير لم يقف عند
مقياسٍ واحد حصراً، وإنما يجب إبراز عامل أو عوامل أخرى متعدّدة، بغض النظر
عمّا سموه الأثنولوجيون في معيارهم، ذلك ما عناه الباحث الأمريكي (ليزلي هوايت)، الذي
دعا إلى عدم استخدام النظم الأوروبية أساساً لقياس التطوّر في مجتمعاتهم،
وضرورة إيجاد محكّات أخرى يمكن القياس بها.
وهذا يدعو إلى الانطلاق
والتنافس الثقافي مع الآخر، مهما كان متفوقا في معياره الثقافي بحسب ما يعتقد هو، أطاقةً
كان المعيار للتطور أم غيره. إذ المهم أن سبيلنا في التعاطي مع الآخر الثقافي
مفتوح ومرن، لكنه ليس على حساب الثوابت.
من هنا، قد انقسم هذا
الاتّجاه الثقافي التطوّري إلى ثلاث مدارس،([28]) تنادي كلّ منها
بمجموعة من القضايا العامة:
المدرسة الأولى
تأخذ بالمُسلَّمة القائلة بأن التاريخ إنّما
يتجه في تتابع وحيد، حين تتطوّر النظم والعقائد، استناداً إلى مبدأ الوحدة
السيكولوجية لبني البشر. ومن هنا تتطوّر الثقافة في العالم الإنساني، إذ تتشابه
الظروف العقلية والتاريخيّة.
إنَّ أصحاب هذه المدرسة
الأولى مقتنعون تماماً بحتميّة اتفاق الناس على الغايات في النهاية، عندما يبلغ
بهم التطور حد التوافق والتواطؤ النفسي والعقلي والتأريخي، مهما اختلفوا مفهومياً
ومصداقياً في سبل التطور والتغيير الإطلاقي المُنتَظر أو المُرتَقَب إنسانيا.
وهذه المُسلّمَة
الأثنولوجية، تفرض علينا توكيد المقدمات الثقافية في منظومتنا المهدوية الشريفة، توكيداً
متيناً ترتكز إليه البنية العقدية والسلوكية في مناشطها التوعوية مجتمعياً، عند
المُنتَظرين للإمام المهدي×.
إذ أننا نعاني اليوم من
وجود مجموعات بشرية، تؤمن بالنتيجة الجاهزة ثقافياً أو دينياً، من دون الارتكاز في
المقّدمات المتينة؛ مما يجعل النتائج عرضة للانهيار في أي لحظة صراعٍ ثقافي مع
الآخر.
ولأن تقعيد المقدمات
الثقافية في منزعها المهدوي، يقوم على أساس اليقين والجزم، فسينتج يقيناً قارّاً
غير قابل للزوال.
لذا، نحن بأمسّ الحاجة إلى تأمين ثقافةٍ برهانيةِ المقدمات
والنتائج، بحيث تتجلى فيها الحجّة الفاصلة والبيّنة على الآخر فتخصمه ثقافيا،
طبقاً لما قاله الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ
شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص: 75].
إن النص القرآني الشريف
هذا، هو الآخر يضعنا في أعلى رتبة من الضرورة بوجود إمام الزمان، الشهيد على
أعمالنا، وملازمة المنهج والثقافة المُبرهنة حقاً. وأنّ الحق لله تعالى
مطلقا مهما كان الباطل.
المدرسة الثانية
تأخذ بالمنهج المُقارن،
حين تعالج هذا التتابع التطوّري للنظم والمعتقدات الإنسانية، بعقد المقارنات
المنهجيّة المنظّمة بين الشعوب والثقافات، في سائر المراحل المبكرة لأطوار
الثقافة، بحثاً عن المصادر الأثنولوجية للسمات الثقافية.
إن هذا الاتجاه الثاني،
الذي هو تطوير للاتجاه الأول في تتابعات النظم والعقائد وتطوراته ، تحيّثَ
بأثنولوجيته الثقافية التقارنية، قاصداً الوصول إلى المتفق الثقافي العام إنسانيا،
فهو الآخر أيضاً يُمهد السبيل لنا في عرض ثقافتنا المهدوية بوجهها الحق من منظار
التقارن مع الآخر، وبوصفها طوراً أخيرا وخاتماً للثقافات الإنسانية في نهاية الأمر.
المدرسة الثالثة
تأخذ بفكرة البقايا أو
المخلّفات والرواسب الثقافية، على اعتبار أنّ هذه البقايا القائمة في المجتمع، إنّما
هي شواهد من الناحية المنطقيّة، وأنّ المجتمع قد مرّ في مراحل أقلّ تطوّراً،
ومراحل أكثر تركيباً وتطوّراً.
في هذا الاتجاه الثالث،
تتبلور مفردة التعاطي مع الآخر بواقعية ومنطقية، باعتبار أنّ ما تدين به
الشعوب والمجتمعات من بقايا ثقافية قائمة في حراكها الحياتي، له جذوره الدينية
والمنطقية بغضّ النظر عن حقانيته وصوابيته، وإنما النظر المهم يتركز في
مراحليّة الثقافة وتطوريتها في إمكانها الوقوعي، بمعنى أن التغيير ممكن، والنمو الثقافي
مستمر في سيره، فما موجود عند الشعوب من بقايا ثقافات هو قابل للتبديل أو
التصحيح، وإن مثّلَ في مضمونه تراثاً أو اكتسابا ما.
الخاتمة
إن إمكان التثاقف أو
التمازج بين الثقافات في حد المُشتركات المفهومية، نحو العدل والإنسانية وغيرها
مما يقبلها الجميع فكراً ومنهجاً. إنه فعلاً ما يمكن تحقّقه واقعاً، بشرط إيجاد
مقتضيات القبول عند الآخر، من وضوح المفاهيم، والرؤى في منزعها الديني عندنا،
وبصورة تساوق ما عند الغرب من منهجيات المعرفة الحديثة ومعطياتها. فما يحكم الغرب
اليوم، بل حتى العالم كله هو العقلانية المعاصرة في كلياتها وجزئياتها، فضلاً عن
الوثوقيّة واختبارات عدم زيف الحقيقة المعرفيّة: دينيا أو وضعياً، من هنا، نحن
بحاجة شديدة إلى مفكّرين ومُنظِّرين وكتّاب وباحثين في القضيّة المهدوية، توازي
شدة الحاجة الكبيرة عندنا إلى المجتهد الفعلي الجامع لشرائط الاجتهاد الشرعية
والعلمية؛ كون العقيدة الدينية أو حتى الإنسانية السليمة هي الأصل، وما سواها فرعُ
عنها؛ لذا لاحظنا كيف أن الإسلام العزيز بدأ في طوره النبوي الشريف عقيدةً، في
دعوته ومنهجه وسلوكه، حتى طالتْ فترة التقعيد للعقيدة الحقة قرابة اثنتي عشرة سنة
في مكة، ومن ثم جاءت الشريعة مُتممة لمنظومة الإسلام تدريجياً.
وما يمكن أن يحصل فيه
التمازج والتثاقف بيننا وبين الآخر، هو ما يتجلى بالمُتماثلات العقلانية النظرية
والعملية، في ما يجوز وما لا يجوز، وفي العدل والإنسانيات العامة، وأما ما يمتنع
وقوعه في موضوعة التثاقف، فهذا هو الذي يحتاج إلى
نسخ وقلب في المفاهيم عند الآخر؛ إذ الإساس عندنا الانطلاق بالمُتَفق عليه،
والتحاور في المُختلَف والخروج بنتيجة، كما قال اللهُ تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا
نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
هذا النص القرآني الشريف فيه من
منهجة التقارب الآيديولوجي والثقافي، ما لا يخفى على اللبيب، فضلاً عما فيه من
إمكانية تصحيح المفاهيم والتطبيقات المُختلفُ فيها بين الشعوب والأفراد، ومطالبة
الآخر بالاعتراف بما عندنا في حال عدم تمازجه معنا ثقافيا، هذا ما عناه ذيل النص
القرآني الشريف: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
المحتويات
|
التمهيد/ المهدوية
أنموذجاً أقوماً معصوماً.............
|
3
|
|
القسم الأول/
الأنثروبولوجيا الثقافيّة والقضيَّة المَهدويَّة
توظيفٌ في التقارب الآيديولوجي والمُعطيات.......... |
16
|
|
القسم الثاني/ إمكان
التقارب المَنهَجي بين الأنثروبولوجيا والمَهدويَّة في حل مشكلات الحياة البشرية
عامّة.......................................
|
29
|
|
القسم الثالث/ علم
الثقافات المُقارن: الأثنولوجيا (Ethnology) والمَهدويَّة.........................................
|
47
|
|
الخاتمة............................................
|
67
|
([10]) إنمّا قيّدتُ المهدوية بالمُعاصرة توصيفاً؛ بلحاظ الظرف الذي
نعيشه اليوم نحن المُنتظِرين لإمام وقتنا الإمام المهدي×. ومن الممكن أن نقبل
التوصيفات لحركة الظاهرة المهدوية بالقديم والحديث والمُعاصر، بلحاظ الوقت الذي مرّتْ
به، وهذا لا يعني أنّها تخضع لنظام النشوء والإرتقاء فكرا ومنهجا وصيرورةً، بل الأصلُ
أن المهدوية -بوصفها ظاهرة دينية وإنسانية حقة يُرادُ لها التحقّق وجوديا في هذه
الحياة- هي كاملة مفهوماً وماهية، ولكنها تنتظر التطبيق في الواقع المُدّخر لها
إلهيّا.
0 التعليقات:
إرسال تعليق