"" مُواجهةُ
الفَسَادِ والانحِرَافِ في المُجتَمعِ ودورُ الأخيارِ والصُلَحَاءِ والأحرَارِ في
المُعَالَجَةِ والتغييرِِ في نَظَرٍ أميرِ المُؤمنين , الإمامِ علي بن أبي طالبٍ
,عليه السلامُ,""
نعرضُ لخطبةٍ مِن خطبِ أمير المؤمنين , عليه
السلامُ , وقد بيّنَ فيها حالَ الدنيا والتعلقَ بها من قبلِ أصنافٍ من الناس ,
أثّرتْ فيهم وتأثروا بها ,وربما ينتشرُ الفسادُ والانحرافُ في المُجتمعِ بسبب
وجودهم , وهذه الأصنافُ قد توجدُ في أزمنة وأمكنة متعددةٍ ,
ونبّه , عليه السلامُ , إلى أهمية ودورِ فئاتٍ
أخرى يكونُ لها الدور الفاعل فيما لو واجهتْ الفئاتِ المُفسدةَ والمُنحرفةَ , وقد
أظهرَ التوجعُ عليهم , وعلى فراقهم ,
و استنهضهم للوقوفِ بوجه الفسادِ وفئاته , وقد
بيّنَ , عليه السلامُ , أنَّ طاعةَ اللهِ ورضاه
والفوز عنده في الجنانِ لا يُنالُ بمجردِ التمنيّاتِ
, بل لابُدّ من أنْ تكونَ هنالك واجباتٌ يأتي بها الإنسانُ المُؤمنُ خصوصاً بما يتعلقُ
بمواجهةِ أسباب الفسادِ والانحرافِ في المُجتمعِ .
قال: عليه السلامُ :
(عِبَادَ اللَّه إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ - مِنْ
هَذِه الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ - ومَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ ,
أَجَلٌ مَنْقُوصٌ - وعَمَلٌ مَحْفُوظٌ - فَرُبَّ
دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ورُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ –
وقَدْ أَصْبَحْتُمْ
فِي زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيه إِلَّا إِدْبَاراً - ولَا الشَّرُّ فِيه إِلَّا
إِقْبَالًا - ولَا الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً - فَهَذَا أَوَانٌ
قَوِيَتْ عُدَّتُه - وعَمَّتْ مَكِيدَتُه وأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُه - اضْرِبْ بِطَرْفِكَ
حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ - فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً
- أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً - أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ
بِحَقِّ اللَّه وَفْراً - أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ
وَقْراً – أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ
وسُمَحَاؤُكُمْ –
وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ -
والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ - أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً - عَنْ هَذِه
الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ - والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ - .................. فَ ( إِنَّا لِلَّه وإِنَّا
إِلَيْه راجِعُونَ ) - ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ - ولَا زَاجِرٌ
مُزْدَجِرٌ - أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه -
وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه - هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه
- ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه – لَعَنَ اللَّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ
لَه - والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه)
: نهج البلاغة , ت ,د , صبحي الصالح , ص 188.
: إنَّ الإمامَ عليّاً , عليه السلامُ , قد
شبّه الدنيا والتعلقَ بها بمنزلة الضيف الذي ينزلُ عند مُضيّفه لفترةٍ محددةٍ
بساعاتٍ أو بأيامٍ , فهو لا يستمرُ إلاَّ قليلاً ثم يرحلُ .
وهنا وضِمنَ هذه المقاطع القيّمةِ من الخطبة
يُنبهُنا الإمامُ , عليه السلامُ , إلى كيفية التعاملِ مع الدنيا , وينهانا عن
التعلّقِ بها , حيثُ قال : عليه السلامُ:
( عِبَادَ اللَّه إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ
- مِنْ هَذِه الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ )
أثوياء : جمعُ ثوي , وهو الضيفُ , ومُؤَجَّلُونَ تشبيهٌ للضيفِ الذي يأتي أو يُدعى إلى دارِ
مُضيّفه , ليقيمَ فيها بضع أيامٍ قصيرةٍ , ثم بالنتيجةِ يتركها ويرحلُ من قريب.
: ومِثلُ هذه الإقامةِ القصيرةِ لا يصحُ مِن
العاقل أنْ يتشبثَ بها :
وقالَ : عليه السلامُ: (ومَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ
)- بمعنى أنَّ أهلَ الدنيا حالهم في أعمالهم المُطالبين بها بطاعة اللهِ , تبارك
وتعالى , من الغمّ حالَ المَدينِ – الذي عليه دَيْنٌ –
فهو مُطالبٌ به بصورةٍ دائمةٍ إلى أنْ يوفيه
إلى صاحبه ولو بالتدرج.
ونحن مَدينون للهِ تعالى واقعاً بهذا الحق وهو
العمر , والذي هو نعمةٌ , ومُحاسبون عليه
, وغيره من سائرِ النعم كالصحةِ والعافية والمال.
ثُمّ يقولُ : عليه السلامُ :( أَجَلٌ مَنْقُوصٌ ) -
أي أنَّ الإنسانَ له أجلٌ محددٌ لا يتجاوزه أبدا , وهذا الأجلُ في تناقصٍ ,
إلى أنْ يأتيه أجله .
وما يقصده الإمامُ علي , هنا : هو أنّكَ أيها
الإنسانُ أنتَ أجلُكَ في تناقصٍ شيئاً فشيئاً , فإنْ لم تكن قد أديتَ حقَّ اللهِ
تعالى فبادر بأدائه , وبادر للتوبة , وكلّما مرّت الشهورُ والأيامُ فأجلك في تناقص
أكثر.
(وعَمَلٌ مَحْفُوظٌ )- العملُ يُحفَظُ للإنسانِ صالحٌ أو طالحٌ ,
وأعماله مُسجّلةٌ عليه عند الله سبحانه , في عبادتك ومعاملاتك , فانتبه لعبادتك
وأصلح أعمالك , وتجنب الرياءَ وصحح ما مضى من أعمالك , وتدارك ما صدر منك.
(فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ورُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ)
– والدائبُ هو المداومُ على العمل ,
والكادحُ هو الذي يأتي بالعمل بجهدٍ ومشقةٍ ,
وبعض الناس قد يتصورُ أنّه بمجرد بذلك الجهد واستعمال الأسباب قد يصلُ للنجاح
بنفسه والتوفيق في هذه الحياة الدنيا ,
وتحقيق أهدافه فيها , ولكن الإمام , عليه
السلامُ , يقولُ : لا – فربما دائب مُضيّع –
وكم من
الناس قد أتعبوا أنفسهم للحصولِ على أمرٍ ما وبالنتيجة يخسرونه ,
فالبحثُ عن الأسباب الكاملة للنجاح في الدنيا
والآخرة لا يتحققُ إلاّ بمعيّة اللهِ تعالى , وتحقيق شروط الأعمالِ من حيث
مقدماتها الصحيحة والمقبولةِ شرعاً وعقائديّاً كالولاية المطلوبة للهِ تعالى ولأوليائه.
ثم يقولُ: عليه السلامُ: (وقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيه
إِلَّا إِدْبَاراً - ولَا الشَّرُّ فِيه إِلَّا إِقْبَالًا - ولَا الشَّيْطَانُ فِي
هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً - فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُه - وعَمَّتْ مَكِيدَتُه
وأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُه - اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ - فَهَلْ
تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً - أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه
كُفْراً - أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً - أَوْ مُتَمَرِّداً
كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً –).
وهنا يُصنّفُ الإمامُ , طبقاتِ المُجتمعِ إلى
فئاتٍ إنْ بقيتْ من دون معالجةٍ فستكون سبباً للانحراف والفساد في المُجتمع , وهذه
الجهاتُ الأربعُ هي :
:1: إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً .
:2: أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً
.
:3: أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه
وَفْراً .
:4: أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ
الْمَوَاعِظِ وَقْراً .
ويُقابلها جهاتٌ ستٌ أخرى هي : من الأخيارِ والصُلحاء
والأحرار والسُمحاء والمتورعون والمتزهون :(أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ -
وأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وسُمَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ
- والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ)
وهؤلاءِ لهم دورٌ فاعلٌ ومَهامٌ في الواقع
الاجتماعي الذي قد يفسدُ بسببِ الفئاتِ الأربع .
والإمامُ علي , عليه السلامُ , يوجّه بضرورة
رصدِ حَراكِ تلك الفئاتِ الأربع بدقةٍ
-
اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ - - فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا
فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً -
والفقرُ من الأسباب ِ التي تؤدي إلى الفسادِ
والانحراف , وهذا الحال هو واقع في كل زمان وفي كلّ مكان , وغير محددٍ.
والفقراءُ على صنفين :هما: صنفٌ يتحملُ ويصبرُ
ويرضى بقدرِ الله وقضائه وينتظرُ ثوابه.
وصنفٌ لا يتحملُ قساوة الفقر وشدته , فقد
ينحرفُ سلوكيا وأخلاقيّاً وأمنياً .
وهذه الفئة إنْ بقيتْ دون علاجٍ لمشكلتهم قد
تكون سبباً من أسبابِ انهيار المجتمع.
-
أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً - إنَّ الأغنياءَ الذين أترفوا وأغرقوا بالنعم ,
وكفروا بها ولم يصرفوها في مواردها المشروعة , في طاعة اللهِ تعالى ومساعدة
الفقراء والمُحتاجين ستكون هذه نقمة عليهم وسبباً لانحرافهم وإخلالاً للتوازن
المعيشي والاقتصادي في المجتمع .
- أَوْ بَخِيلًا
اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً - أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه
عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً –.
وهذه الفئة- البخلاء – يعتقدون أنّ بخلهم
وإمساكهم عن أداء حقوق اللهِ تعالى ستكون سبباً في غناهم وزيادة أموالهم , وهذا
تصور خاطئ وغير صحيحٍ .
وأما الفئة الرابعة وهي المتمردون عن قبول
الموعظة والذين يصمون آذانهم عن الحق والاستماع إليه , ولا يعملون به , فهؤلاءِ
كأنَّ في آذانهم وقراً – طيناً – يكون سبباً في تمردهم, فالفئاتُ الأربع إذا
انتشرت في المجتمع وسكتَ عنها أهل الصلاح والأخيار سينتشرُ الفسادُ والانحراف.
____________________________________________
مَضمونُ خطبةِ الجُمعَةِ الأولى والتي ألقاهَا سَماحةُ
الشيخ عبد المَهدي الكربلائي
,دَامَ عِزّه, الوكيل الشرعي للمَرجعيّةِ الدّينيّةِ
الشَريفةِ في الحَرَمِ الحُسَيني المُقدّس ,اليوم , السادس والعشرين من ربيع الأول
,1439 هجري- الخامس عشر من كانون الأوّل ,2017 م .
________________________________________________
- تدوين
– مُرْتَضَى عَلِي الحِلّي – النَجَفُ الأشْرَفُ –
- كَتَبْنَا بقَصدِ القُربَةِ للهِ تعالى , رَاجينَ
القَبولَ والنَفعَ العَامَ , ونسألَكم الدُعاءَ-
_______________________________________________

0 التعليقات:
إرسال تعليق