"" القِسْمُ الثاني"" وارتباطه بواقعِنا الرَاهن وأهميّته """ "" من مُواجهةِ الفَسَادِ والانحِرَافِ في المُجتَمعِ ودور الأخيارِ والصُلَحَاءِ والأحرَارِ في المُعَالَجَةِ والتغييرِِ في نَظَرٍ أميرِ المُؤمنين , الإمامِ علي بن أبي طالبٍ ,عليه السلامُ,""

"" القِسْمُ الثاني"" وارتباطه بواقعِنا الرَاهن وأهميّته """
"" من مُواجهةِ الفَسَادِ والانحِرَافِ في المُجتَمعِ ودور الأخيارِ والصُلَحَاءِ والأحرَارِ في المُعَالَجَةِ والتغييرِِ في نَظَرٍ أميرِ المُؤمنين , الإمامِ علي بن أبي طالبٍ ,عليه السلامُ,""
:.. ما زلنا في إحدى خطبِ أمير المؤمنين , علي , عليه السلامُ , والتي ذكرنا فيها تصنيفه للوضع الاجتماعي إلى فئاتٍ أربع – إنْ بقيتْ على حالها ستكون سبباً للفساد والانحراف , وفي نفس الوقت توجدُ ستُ فئات من المجتمع هي المُكلّفةُ بالتغيير والإصلاحِ لأحوالِ بقية الفئات الأخرى , وقد تأسّفَ الإمامُ علي  على رحيل هذه الفئات وعدم تمكنها من القيام بمنهج الإصلاح والتغيير , وينبغي بنا أن نعرض أنفسنا على هذا التصنيف لنعرف من أي الفئات نحن.
قال : عليه السلامُ :
(اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ - فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً - أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً - أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً - أَوْمُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً –
 أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ أَحْرَارُكُمْوسُمَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ - والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ - أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً - عَنْ هَذِه الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ - والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ - فَ ( إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ ) ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ - ولَا
زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ - أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه - وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه - هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه - ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه –  لَعَنَ اللَّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَه - والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه)
: نهج البلاغة , ت ,د , صبحي الصالح , ص 188.
وهنا يُصنّفُ الإمامُ , طبقاتِ المُجتمعِ إلى فئاتٍ أربع إنْ بقيتْ من دون معالجةٍ فستكون سبباً للانحراف والفساد , وهذه الفئاتُ الأربعُ هي :
:1: فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً  :2: أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً . :3: أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً . :4: أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً .
والفقيرُ على صنفين : صنفٌ يتحمّلُ ولا يقعُ في الانحراف والجريمة , ويُحافظُ على استقامته ويرضى بقضاء اللهِ وقدره .
وصنفٌ آخرٌ: فقيرٌ لا يتحمّلُ فقره , بل ربما يقعُ في الجريمة من أجل أن يسدّ حاجته.
هذه هي الفئة الأولى , والفئة الثانية هي : أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً - : وهنا يؤشّرُ
 أميرالمؤمنين , عليه السلامُ , إلى خطورةِ التمايز الطبقي , ويُلفتُ النظرَ إلى حالة الفرقِ الفاحش بين المُكنَةِ والمَعيشةِ , فالغني المُترفُ , هو الذي لا يشكرُ اللهَ تعالى بأنْ يؤدي  ما عليه من حقوق شرعية ويصرفها للمحتاجين , بل يهدرها على ملذاته وشهواته ,
ولا ينفقها في طاعة الله وسدّ حاجات المجتمع.
وأما الفئة الثالثة فهي : بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً – بمعنى أنَّ البخيلَ يمنعُ حقَّ اللهِ من الخمس والزكاة ويعتقد  أنّه طريقاً لزيادة أمواله .
والصنفُ الرابع: مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً – وهم من يكونون سبباً للانحراف العقائدي والفكري والاجتماعي , والإمامُ هنا يؤشّرُ إلى هذه الحالة التي تظهرُ عند المتمردين عن سماع الحقّ ومعاندتهم له لغلبة الأهواء عليهم .
ثم بعد هذا التصنيف لهذه الفئات الأربع يتوجّه الإمام علي , عليه السلامُ , بالخطاب إلى الصالحين والأخيار وأصحاب العقائد الصحيحة ويستنهض هممَهم في سبيل الإصلاح والتغيير في المجتمع , حتى يُبدي تأسفه على فراق هؤلاءِ , ويُبيّن خطورةَ خلو المجتمع منهم , لأنّه إذا خلا منهم سينتشرُ الانحرافُ والفساد , قال: عليه السلامُ:
–  أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وسُمَحَاؤُكُمْ - وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ - والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ - أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً - عَنْ هَذِه الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ -
والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ -  فَ ( إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ )
وإنَّ هذه الفئات الست هي قليلة في المجتمع , وفئات الفساد والانحراف هي الأكثرُ ,
والأخيار والصلحاء هم مَن يسعون للتغيير في المجتمع ومعالجة أسباب الانحراف والفساد فيه , وأما الأحرارُ فهم المنفكون من قيد الأسر والعبودية لغير الله تعالى , والسُمحاءُ هم الرحماء الباذلون للنعمة والمال في كلّ الأحوال , ويتصفون بالجود والكرم, و المتورعون هم المتنزهون عن المكاسب
المُحرّمة شرعا كالمعاملات الربوية. وإنَّ التورعَ في المكاسب هو أحدُ أسباب صلاح
المجتمع , وهم صمام الأمان فيه , والقدوة للخير والصلاح.
ثم يُبدي أمير المؤمنين , عليه السلامُ , تأسفه على رحيلهم من هذه الدنيا حيث يقول:
أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً - عَنْ هَذِه الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ - والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ –
–  وهنا لطائفٌ في هذا الكلام ينبغي الالتفاتُ إليها , وهي أنَّ الدنيا لا قيمة لها ,
ولااعتبار وإذا كانتْ قد أفنتْ أهلَ الصلاح والخير والأحرار , وأبقتْ هؤلاء الفاسدين والأشرار , فهي أيضاً ستزيلهم من قريب من باب أولى.
, ثم يقول: عليه السلامُ: فَ ( إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ ) – وهذه مقولةٌ تُقالُ في مقام المصيبة التي تُصيبُ الإنسانَ في هذه الدنيا , فأين وجه المصيبة هنا , وهي أنّ فقدَ الأحبةِ من الأخيار والصلحاء هو في حدّ نفسه مصيبة , والمصيبة الأدهى منه هي قلتهم في المجتمع , وتكاثر المفسدين والفاسدين والأشرار فيه , وعلى أساس ذلك فد حَذّرَ , عليه السلامُ , بقوله:  (ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ - ولَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ - أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه - وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه - هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه - ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه –  لَعَنَ اللَّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَه - والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه)
فالطبقاتُ الست هي إمّا قليلةٌ أو ضعيفةٌ ,وتريدُ أن تُصلحَ حالَ المجتمع ولكن تواجه تحديات ومعرقلات تحول دون القيام بالإصلاح , وإنَّ واجبَ هذه الطبقات
- الفئات الست- هو أن تسعى للإصلاح وتعمل دون انتشار الفساد , لأنّه من دون التغيير للمنكر والفساد لا يمكن إصلاح المجتمع ولا نيل حتى  رضا الله تعالى , - أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه
فِي دَارِ قُدْسِه - وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه – هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه - ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه – .وحينئذٍ لا يمكن أن تخدعوا اللهَ تعالى بالتظاهر بالإصلاح والدعوة إليه وباطنكم يغطي على الفاسدين .فهذه الحالة مبغوضة عند الله سبحانه بل أصحابها ملعونون - لَعَنَ اللَّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَه - والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه – فمن يخالف باطنه ظاهره فهو ملعون.
وأخيراً إنَّ الإمام علياً , عليه السلامُ ,هنا في خطبته هذه يستنهضُ هِممَ الأخيار والصلحاء والأحرار  بضرورة القيام بالتغيير وإصلاح الوضع ومعالجة أسباب الفساد والانحراف في المجتمع.
____________________________________________
مَضمونُ خطبةِ الجُمعَةِ الأولى والتي ألقاهَا سَماحةُ الشيخ عبد المهدي الكربلائي ,دَامَ عِزّه, الوكيل الشرعي للمَرجعيّةِ الدّينيّةِ الشَريفةِ في الحَرَمِ الحُسَيني المُقدّس ,اليوم , العاشر من ربيع الآخر ,1439 هجري- التاسع والعشرين من كانون الأوّل ,2017 م .
________________________________________________
-  تدوين– مُرْتَضَى عَلِي الحِلّي – النَجَفُ الأشْرَفُ –
- كَتَبْنَا بقَصدِ القُربَةِ للهِ تعالى , رَاجينَالقَبولَ والنَفعَ العَامَ , ونسألَكم الدُعاءَ-
_______________________________________________
شاركه على جوجل بلس

عن مرتضى علي الحلي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات: