مُصَحِحَاتُ الإِتِّباعِ – أنثروبولوجيا
قُرآنيَّةٌ
_____________________________
مِنْ
المَعلومِ اجتماعيّاً( أنثروبولوجيّاً ) أنَّ الإنسانَ كائنٌ قِيَمي تَحكمَه
مَجموعةُ
نُظُمٍ وسيَاقَاتٍ حيَاتيّةٍ ,تقومُ على أُسسِ المُتابَعةِ والمَعَايشِ
و
التدافعِ والخصومَةِ والغَلَبَةِ والتأثّرِ والتأثيرِ والقوةِ والخوفِ وغيرها
.
تَجعَله
يُحَدّدُ سنخَ علاقته الاجتماعيّةِ بِمَنْ يَرغَبُ في إتّباعه طِبقَ
واحِدٍ
مِنْ هذه النُظمِ والسيَاقَاتِ .
ويُوجّه
وَِجهَه وِجهَةَ عَقيدةٍ ما أو فِكرٍ ما أو ثقافةٍ ما أو سلوكٍ ما .
مما
يتطلّبُ ذلك النزوعُ لِوجهةٍ ما , إيجادَ مُقتضياتٍ ومُصحِحَاتٍ
سَديدةٍ
, ومَشروعَةٍ تُسهِمُ في دفعِ الإنسانِ المؤمِنِ للوِجهَةِ الحَقّةِ والقويمَةِ.
دَفعَاً
تترتبُ عليه , آثاراً وتبعاتٍ ومسؤولياتٍ شرعيّةً وأخلاقيةً ,
تنبجِسً
مِنها , الخياراتُ , والقراراتُ في حَراكِ الإنسانِ وعلاقَاته.
ذلك
ما قَدّمَه القُرآنُ الكريمُ تفصيلاً مِنْ حيث المَبدَأ والحُكمِ والأثرِ ,وضَرَبَ
شَوَاهِداً
مُتنوعةً تحكي عن رؤيةٍ أنثروبولوجيّةٍ تَرصِدُ حَرَاكِ الإنسانِ في المُنتَظَم
الاجتماعي
وتفاعله معه سَلبَاً وإيجَابَا
.
ومِنْ
أوّلِ ما قدّمه القرآنُ الكريمُ في هذه الرؤيةِ المُؤسِّسَةِ للإنسانِ السَويِّ
والقويم
(( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى
أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
(23))) , الملك.
هو ما
يمكن تبويبه بما يلي :
1 – مُصَحِحُ
العِلمِ : وهو ما يتصوره الإنسانُ في ذهنه وعقله مِنْ مَعلومَاتٍ
وإدراكاتٍ
مُجردةٍ( تصوراتٌ فقط ) ومُركبةٍ ( تصوراتٌ وُحكمٌ),
تستلزمُ
انفعالاتٍ وتصديقاتٍ مُعينةً , تأخذُ معها صاحبها وَجهَةَ ما يقتفي اختياراً
,
فيكون مَسؤولاً عن قوله وفِعله وحتى
نيتَه (فؤاده).
كما
قال تعالى : ((وَلَا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ
كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ))(36),الإسراء.
وإنَّ
العِلمَ هو مَناطُ حَراكِ الإنسانِ , وشَرطُ تَكليفه , فَبِه يَستبصِرُ الأشياءَ
,ويَطلبها
أو يَتجنبها , وعنه تَصدرُ الخياراتُ .
وهذا
العِلمُ المُصَحِحُ لمَقولَةِ أو ظاهِرةِ أو سلوكِ الإتِّباعِ هو ما يُحددُ
قيمةَ
العلاقةِ بين التابعِ والمَتبوعِ بُمختلفِ أنواعها , عقيدةً وشريعةً ومِنهَاجَا ,
وفِكراً وثَقَافَةً , فما مِنْ سنخِ علاقةٍ ما , إلاّ ويَحكمها مُصحِحُ العِلمِ
في
الإِّتّبَاعِ.
و إذا
ما خَلَتْ العلاقةُ مِنْ العِلمِ فسَيحكمها نقيضه, الجَهلُ والعَبثُ والَسفَاهَةُ
بحيث لا يمكن لصاحبِها أنْ يكونَ سويّاً ومُهتدياً وراشدا.
وفي
هذه الوَجهةِ العلميّة المُصحِحَةِ للإتِّباعِ , جَاءَ القرآنُ الكريمُ برصدِه
الانثربولوجي للإنسانِ نفسه مُبيِّناً كيفيةَ العلاقةِ ووزانها.
وضَرَبَ
لنا مَثلاً في الوحدةِ الاجتماعيةِ الأولى للمجتمع البشري ,في إشارةٍ منه
لتنقيحِ
سنخِ العلاقةِ في كُلّ الوحداتِ والسياقاتِ الحياتيةِ ,
فابتدأ
بعلاقةِ الأبِ بأبنه وعلاقة الأبن بأبيه كما في قوله تعالى:
(( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ
مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ))
(43)مريم.
وهنا
يَضعُ القُرآنُ الكريمُ ,الإنسانَ في أفقِ الحقيقةِ والقيمةِ للعلاقةِ واقعاً
,
بأبعدِ ما يكون عن أفقِ البنوةِ والأبوةِ والتي قد ترسمُ علاقةً تتفقُ وحَراكها
الفطري والوراثي .
العلاقةِ المطلوبة شَرَعاً أو مُصَحِحَةً لها في بُعدها الجِبلِّي ( الغريزي)
إذ
يبقى الوزانُ والقسطاسُ لمُصححِ العِلمِ هو الحَاكمَ في توليةِ الوجهَةِ والمُتَابَعَةِ
.
وإنْ
كان لِمقامِ الأبوةِ بحسبِ الشاهِدِ القرآني القَدرُ المَحفوظُ والذي عَبّرَ القرآنُ
الكريمُ
عنه بالإحسانِ والمُصاحبة بالمعروفِ .
((وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ )),(8),العنكبوت .
والتصحيحُ
في حَراكِ الإتِّبَاعِ قد طَالَ المُدخِلاتِ المَعرفيّةَ لشَرطِ العِلمِ ,
وهي
السَمعُ والبصرُ والفؤادُ , بحيث جَاءَ النهيُ الإرشاديُ حَامِلاً في مَدلولاته
المَسؤوليّةَ , تَلقيّاً وأثراً .
فلم
يكن للإنسانِ مِنْ خيارٍ مُبَاحٍ في الاقتفاءِ دون مَقولةِ
((وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ))(24), الصافات.
ويَظهرُ
بحسبِ مَدلولاتِ النصِ القرآني , أنَّ العِلمَ لم تقتصر شَرطيّته في وِجهَةِ
الإِّتباعِ
بوصفهِ مُقدّمَةً وجوديةً وعقليّةً لها دَخَالةٌ في تحققِ المُتابعةِ
بوجهٍ صحيحٍ ومَشروعٍ ,
وإنما شرطيّةُ العِلمِ تتجاوزُ إلى حدِّ القِرانِ مع
المَتبوعِ , حَراكاً وغَرضاً .
كما
في الشاهدِ القُرآني في سورة الكهفِ , في قصةِ النبي موسى
,
عليه السلام, مع العبدِ الصالحِ ,حيثُ حَكى النصُ الشريفُ , قوله تعالى:
((فَوَجَدَا
عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ
لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66))) الكهف.
___________________________________________________
مُرتَضَى عَلِي الحِلّي – النَجَفُ الأشرَفُ .
___________________________________________________

0 التعليقات:
إرسال تعليق